أولاً : مفهوم التعليم عن بعد:
لم تكن فكرة التعليم عن بعد وليدة وقتنا الحاضر، بل هي فكرة قديمة ظهرت في بريطانيا قبل مائة عام تقريباً، ثم انتقلت إلى كندا و أمريكا و أستراليا و غيرها من دول العالم. كما انتقلت فكرة هذا التعليم في وقتنا الحاضر إلى بعض دول العالم العربي مثل مصر و الإمارات و فلسطين، و ذلك بانتشار القنوات الفضائية التعليمية كما هو متبع حالياً في مصر بعد إطلاق هذه الدولة للأقمار الاصطناعية المتخصصة في الاتصالات و الإعلام و التعليم.
و مما تجدر الإشارة إليه أن جامعة القدس التي تأسست عام 1991م قد أصبحت الجامعة الرائدة في فكرة التعليم عن بعد في العالم العربي، و ذلك كرد فعل للانغلاق الدائم للجامعات الفلسطينية من قبل سلطات الاحتلال مما كان سبباً في تعطيل الدراسة لسنوات، نتيجة إجراءات القمع التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي. و هذا التعليم يتخطى كل العقبات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، فهذا النظام يمنح للموظف أو العامل أو ربة المنزل فرصة عظيمة لإكمال تعليمهم الجامعي دون ضرورة الانتظام اليومي في قاعات الدروس، كما أنه يتيح الفرصة أمام شريحة كبيرة من المجتمع بالجمع بين الدراسة و العمل في آن واحد. و لا يقتصر التعليم عن بعد على القنوات الفضائية فحسب، بل يشمل الإنترنت الذي فتح أبواب الدنيا أمام الباحث و الدارس ، و لم يعد حكراً على فئة معينة من الناس، خاصة أن الإنترنت يكون مجاناً في بعض جامعات العالم.
و لا يعتمد التعليم عن بعد على القنوات الفضائية و الإنترنت و الأشرطة و غيرها، بل يشمل إلى جانب ذلك تأليف الكتب الخاصة بهذا التعليم، و هي في الواقع كتب جذابة و سلسلة و سهلة الفهم، و هي بذلك تساعد الطالب على التعليم الذاتي و كأن الكتاب أستاذ يحاضر بالفعل. كما يتميز هذا النوع من التعليم على نظام الاختبارات المنزلية مما يعمّق التعليم في النفس و الاعتماد على الذات. و من مميزات هذا التعليم في بعض الدول العربية أن الدراسة تكون يومي الأربعاء و الخميس في الفترة المسائية، و معنى هذا أنه يكون مناسباً للعاملين و غيرهم.
و من المشاكل التي تواجه هذا النوع من التعليم هو عدم الاعتراف بالشهادات الجامعية التي تعتمد على هذا النوع من التعليم، والتي يعترف بها في كثير من دول العالم، مما يثير امتعاضاً لدى شريحة كبيرة من المتعلمين.
و من مميزات التعليم عن بعد أنه لا يشترط سناً معيناً له كما يحدث في المدارس و الجامعات النظامية. كما لا يشترط حصول المتعلم على درجات و معدلات مرتفعة كما هو الحال في الثانوية العامة.
ثانياً : تطور التعليم عن بعد:
قديماً كان التعليم عن بعد يعني التعليم بالمراسلة، أي أن البريد هو الذي ينقل المواد المطبوعة أو المكتوبة بين المعلم و المتعلم. أما الآن، فقد تغير الحال، حيث تطورت وسائل التعليم باستخدام الراديو أو أجهزة التسجيل، ثم ظهر التلفزيون و الفيديو، فالقنوات الفضائية التعليمية، و الحاسب الآلي و الإنترنت و غيرها. و يجب أن ندرك تماماً أن لكل نوع من التعليم وسائطه التقنية المناسبة له. فمثلاً الراديو يساعد على شحذ الخيال. و التلفزيون فعالٌ جداً في مجال التعليم. و الحاسب الآلي مناسب جداً لاكتساب المهارات. و كلها توفّر مجالات أرحب في إثراء العملية التعليمية. و مما سبق ذكره، يظهر أن الراديو و التلفزيون هي الوسائط الأكثر مناسبة للاستعمال الواسع و خاصة في البلدان النامية، لأنها لا تحتاج إلى بنية تحتية مكلفة.
ثالثاً : الحاجة إلى التعليم عن بعد:
حقيقة أن الحاجة إلى التعليم عن بعد أصبحت ملحّة و أكثر ضرورة خاصة في البلدان الفقيرة التي لا تستطيع بناء المدارس و المعاهد و الجامعات و تأثيثها بالوسائل التعليمية الضرورية، حيث أصبح اللجوء إلى استخدام التعليم عن بعد ضرورة ملحّة لأنه قليل التكلفة. كما أنه يساعد في التغلب في حل مشكلة ندرة المعلمين، خاصة في المناطق النائية السالفة الذكر و بقية نقائص التعليم الأخرى.
رابعاًً : التعليم عن بعد في مصر:
لقد استخدمت مصر فكرة التعليم عن بعد لدعم عملية التعليم الأساسي في مصر، و خاصة في مجال محو الأمية سواء من خلال الإذاعة أو التلفزيون، ثم تلت هذه المرحلة مرحلة أخرى قامت فيها وزارة التربية و التعليم المصرية بإعداد مواد تعليمية على أشرطة فيديو و على أقراص مضغوطة. ثم أصبح نظام التعليم عند بعد أكبر مساعد لنظام الانتساب الموجه لمعلمي التعليم الأساسي، و ذلك بالتعاون مع كليات التربية في الجامعات المصرية حيث ينتهي إتمام هذا التعليم بالحصول على شهادات معترف بها في التربية تعادل درجة البكالوريوس. و فيه يعتمد الملتحقون بالبرنامج على التعلم الذاتي كما يمكنهم الحضور إلى المراكز الدراسية في أوقات الفراغ التي تناسبهم أو الانتظام في الدراسة أثناء العطل الصيفية خاصة التي تتضمن بعض الجوانب العملية و قد استفاد من هذا البرنامج أكثر من مائة ألف ألف معلم.
و يعد التعليم عن طريق الفيديو منجزاً تقنياً بارزاً في مصر، حيث تشير إحصائيات التطوير التكنولوجي في مصر إلى عقد أكثر من 134 برنامجاً باستخدام شبكة الفيديو ضمّت ما يقرب (170 ألف مستهدف) كما مكنت الوزير من الاجتماع بقيادات التعليم على مستوى مصر عن طريق هذه الشبكة.
و يعد التعليم عن طريق الإنترنت مصدراً أساسياً للمعلومات. و ذلك عن طريق تزويد المدارس بالحواسيب المجهزة بالاتصال عبر خطوط الهاتف حيث يمكّن اتصال المعلمين و الطلاب بالشبكات و الحصول على المعلومات بكل يسر و سهولة. و قد تم تزويد أكثر من (عشرة آلاف مدرسة) في مراحل التعليم المختلفة بهذه الخدمة.
و قد شمل التعليم عن بعد فكرة القنوات الفضائية المتخصصة التي أصبح لها نصيب الأسد في هذا المجال و التي عرفت باسم القنوات الفضائية التعليمية المسموعة و المرئية.
و يمكن أن نلخّص وسائط التعليم عن بعد في مصر في سبعة وسائط تخدم ثلاثة مجالات تعليمية. أما وسائط التعليم فهي: الإذاعة و التلفزيون و الدراسة المستقلة عن طريق أشرطة الفيديو و الأقراص المضغوطة و الانتساب الموجه و الاجتماع بالفيديو و الإنترنت و القنوات الفضائية التعليمية. و هذه الوسائط تقوم بخدمة ثلاثة مجالات تعليمية هي:
1- محو الأمية و تعليم الكبار.
2- رياض الأطفال و التعليم الابتدائي و الإعدادي.
3- تدريس المعلمين.
خامساً : مشروع الأمير عبدالله و أبنائه الطلبة للحاسب الآلي (وطني):
يعتبر الحاسب الآلي واحداً من أهم المخترعات العصرية الذي غيّر واجهة التاريخ. و من هذا المنطلق، نرى أن للمملكة العربية السعودية دور كبير في تنشئة الأجيال و مسايرة العصر عن طريق إدخال الحاسب الآلي في مدارس المملكة، وهو مشروع جدير بالاهتمام تبنّاه صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز تحت مسمّى: (وطني). و يهدف المشروع إلى إدخال الحاسب الآلي و تطبيقاته في مدارس وزارة المعارف بهدف دعم المنهج التعليمي و جعله أداة تعليمية مرتبطة بشبكة متكاملة. كما يهدف إلى توسيع قاعدة استخدام الحاسب الآلي لتشمل مراحل التعليم كافة و توسيع دائرة المعرفة بالوقوف على المعارف و المكتشفات في الدول الأخرى عن طريق شبكة تعليمية متطورة. ويسعى هذا المشروع الطموح إلى إدخال الحاسب الآلي و تطبيقاته إلى مدارس التعليم العام خلال الأعوام القادمة و يعتبر مشروعاً وطنياً يخص كافة أفراد المجتمع بكل فعالياته، و هو في الحقيقة حدث وطني يشارك فيه أفراد المجتمع جميعاً الأمر الذي سيعزز من فرص نجاحه و يدعم وجوده بإذن الله تعالى.
سادساً : تقييم جهود التعليم عن بعد:
يشمل هذا التقييم آراء عينات مختلفة من الجمهور و عينة من بعض القيادات في مجال التعليم، و التي توضح بعض جوانب القصور في فكرة التعليم عن بعد. و من أبرزها ما يلي:
1- إن بعض المدارس في مبانٍ قديمة لا تتوفر بها الإمكانات المطلوبة لتشغيل الأجهزة.
2- شدة خوف المسؤولين عن الأجهزة من تلفها أو سرقتها لأنها عالية التكاليف.
3- كثرة أعداد الطلاب في القاعات المعدة لأماكن المشاهدة و عدم اتساع هذه الأماكن لهم.
4- ضعف وسائل الاتصال التليفوني مما يجعل استخدام هذه الوسائل قاصراً على المدارس التي تتوفر بها الإمكانية.
5- تكرار انقطاع التيار الكهربائي يقلل من الاستفادة.
6- عدم توفر الخامات اللازمة المساندة للأجهزة من ورق و أحبار و أشرطة و أقراص ممغنطة.
7- عدم وجود أخصائي صيانة الأجهزة أو البطء في صيانتها في حالة توفرهم.
8- قلة بعض البرامج التعليمية أو تأخر وصولها إلى المدارس خاصة في بداية العام الدراسي.
9- عدم كفاية الوقت المتاح لاستخدام الأجهزة أو قلة البرمجيات المساعدة على ذلك.
10- تقادم بعض الأجيال الأولى من الحواسيب و اختلاف أنواعها عن الأنواع السائدة الآن ، و التي تتوافق مع البرامج التعليمية الحديثة.
المراجع:
1- تجربة التعليم عن بعد – يعقوب نشوان.
2- التجربة الأردنية في مجال التعليم عن بعد – عصام فريحات.
3- تكنولوجيا التعليم عن بعد في مصر – سامح سعيد (و آخرون).
ملاحظة: بحث قمت بكتابته في المرحلة الثانوية